القرطبي

270

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فالمعنى أنهم يرزقون الشاء الجميل . وقال آخرون : أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون . وهذا هو الصحيح من الأقوال ، لان ما صح به النقل فهو الواقع . وحديث ابن عباس نص يرفع الخلاف . وكذلك حديث ابن مسعود خرجه مسلم . وقد أتينا على هذا المعنى مبينا في كتاب " التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة " . والحمد لله . وقد ذكرنا هناك كم الشهداء ، وأنهم مختلفو الحال . وأما من تأول في الشهداء أنهم أحياء بمعنى أنهم سيحيون فبعيد يرده القرآن والسنة ، فإن قوله تعالى : " بل أحياء " دليل على حياتهم ، وأنهم يرزقون ولا يرزق إلا حي . وقد قيل : إنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة ، ويشركون في ثواب كل جهاد كان بعدهم إلى يوم القيامة ، لأنهم سنوا أمر الجهاد . نظيره قوله تعالى : " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا " [ المائدة : 32 ] ( 1 ) . على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى . وقيل : لان أرواحهم تركع وتسجد تحت العرش إلى يوم القيامة ، كأرواح الاحياء المؤمنين الذين باتوا على وضوء . وقيل : لان الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض . وقد ذكرنا هذا المعنى في " التذكرة " وأن الأرض لا تأكل الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين المحتسبين وحملة القرآن . الثانية - إذا كان الشهيد حيا حكما فلا يصلى عليه ، كالحي حسا . وقد اختلف العلماء في غسل الشهداء والصلاة عليهم ، فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري إلى غسل جميع الشهداء والصلاة عليهم ، إلا قتيل المعترك في قتال العدو خاصة ، لحديث جابر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ادفنوهم بدمائهم ) يعني يوم أحد ولم يغسلهم ، رواه البخاري . وروى أبو داود عن ابن عباس قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا ؟ بدمائهم وثيابهم . وبهذا قال أحمد وإسحاق والأوزاعي وداود بن علي وجماعة فقهاء الأمصار وأهل الحديث وابن علية . وقال سعيد بن المسيب والحسن : يغسلون . قال أحدهما : إنما لم تغسل شهداء أحد لكثرتهم والشغل عن ذلك . قال أبو عمر : ولم يقل بقول سعيد والحسن هذا أحد من فقهاء الأمصار إلا عبيد الله بن الحسن العنبري ، وليس

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 145 .